الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

149

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وضمير عَلَيْهِمْ عائد إلى معلوم من السياق كما تقدم في قوله أول السورة أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 3 ] . والتلاوة : القراءة . وتقدم في قوله : ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ في البقرة [ 102 ] . و نَبَأَ إِبْراهِيمَ : قصته المذكورة هنا ، أي اقرأ عليهم ما ينزل عليك الآن من نبأ إبراهيم . وإنما أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بتلاوته للإشارة إلى أن الكلام المتضمن نبأ إبراهيم هو آية معجزة ، وما تضمنته من دليل العقل على انتفاء إلهية الأصنام التي هي كأصنام العرب آية أيضا . فحصل من مجموع ذلك آيتان دالّتان على صدق الرسول . وتقدم ذكر إبراهيم عند قوله تعالى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ في البقرة [ 124 ] . و إِذْ قالَ ظرف ، أي حين قال . والجملة بيان للنبإ ، لأن الخبر عن قصة مضت فناسب أن تبيّن باسم زمان مضاف إلى ما يفيد القصة . وقد تقدم نظيره في قوله تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ الآية في سورة يونس [ 71 ] . و ما اسم استفهام يسأل به عن تعيين الجنس كما تقدم في قوله : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ في هذه السورة [ 23 ] . والاستفهام صوري فإن إبراهيم يعلم أنهم يعبدون أصناما ولكنه أراد بالاستفهام افتتاح المجادلة معهم فألقى عليهم هذا السؤال ليكونوا هم المبتدئين بشرح حقيقة عبادتهم ومعبوداتهم ، فتلوح لهم من خلال شرح ذلك لوائح ما فيه من فساد ، لأن الذي يتصدّى لشرح الباطل يشعر بما فيه من بطلان عند نظم معانيه أكثر مما يشعر بذلك من يسمعه ، ولأنه يعلم أن جوابهم ينشأ عنه ما يريده من الاحتجاج على فساد دينهم وقد أجابوا استفهامه بتعيين نوع معبوداتهم . وأدخل أباه في إلقاء السؤال عليهم : إمّا لأنه كان حاضرا في مجلس قومه إذ كان سادن بيت الأصنام كما روي ، وإمّا لأنه سأله على انفراد وسأل قومه مرة أخرى فجمعت الآية حكاية ذلك . والأظهر أن إبراهيم ابتدأ بمحاجّة أبيه في خاصتهما ثم انتقل إلى محاجّة قومه ، وأن هذه هي المحاجّة الأولى في ملإ أبيه وقومه ؛ ألقى فيها دعوته في صورة سؤال استفسار غير إنكار استنزالا لطائر نفورهم ، وأما قوله في الآية الأخرى إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ [ الصافات 85 ، 86 ] فذلك مقام آخر له في قومه كان بعد الدعوة الأولى المحكية في سورة الصافات . ولأجل ذلك كان الاستفهام مقترنا بما يقتضي